العيني

31

عمدة القاري

8 ( ( باب مَنْ قعَدَ حَيْث يَنْتَهِي بِه المَجْلِسُ ومَنْ رَأى فُرْجَةً في الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيها ) ) الكلام فيه على نوعين : الأول : أن التقدير : هذا باب في بيان شأن من قعد . . . إلى آخره ، وهو مرفوع على الخبرية مضاف إلى من ، وهي موصولة ، و : قعد ، جملة الفعل والفاعل صلتها ، و : حيث ، ظرف للمكان منصوب على الظرفية محلاً ، وبني على الضم تشبيهاً بالغايات . ومن العرب من يعربه . قوله : ( المجلس ) ، مرفوع بقوله : ينتهي . قوله : ( ومن رأى ) عطف على : من قعد ، و ( الفرجة ) بضم الفاء وفتحها ، لغتان ، وهي الخلل بين الشيئين ؛ قاله النووي . وقال النحاس : الفرجة ، بالفتح ، في الأمر ، والفرجة بالضم فيما يرى من الحائط ونحوه ، وفي ( العباب ) : الفرجة ، بالكسر ، والفرجة بالضم لغتان في فرجة الهم . وقال أيضاً : الفرجة يعني ، بالفتح : التفصي من الهم . وقال الأزهري : الفرجة : الراحة من الغم ، وذكر فيها فتح الفاء وضمها وكسرها ، وقد فرج له في الحلقة والصف ونحو ذلك ، بفتح العين ، يفرج بضمها ، ولم يذكر الجوهري في الفرجة بين الشيئين غير الضم ، وفي التفصي من الهم غير الفتح ، وأنشد عليه : * ربما تكره النفوس من الأم * ر له فرجة كحل العقال * ( والحلقة ) ، هنا بإسكان اللام ، وحكى الجوهري فتحها ، والأول أشهر . وفي ( العباب ) : الحلقة ، بالتسكين : الدروع ، وكذلك حلقة الباب ، وحلقة القوم ، والجمع الحلق على غير قياس ، وقال الأصمعي : الجمع الحلق ، مثال : بدرة وبدر ، وقصعة وقصع . ونهى رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، عن الحلق قبل الصلاة ، يعني صلاة الجمعة ، نهاهم عن التحليق والاجتماع على مذاكرة العلم قبل الصلاة ، وحكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء : حلقة ، في الواحد بالتحريك . والجمع : حلق وحلقات . وقال ثعلب : كلهم يجيز ذلك على ضعف . وقال الفراء في نوادره : الحلقة ، بكسر اللام ، لغة للحارث بن كعب في الحلقة والحلقة . وقال ابن السكيت : سمعت أبا عمرو الشيباني يقول : ليس في كلام العرب حلقة ، بالتحريك ، إلاَّ في قولهم : هؤلاء حلقة ، للذين يحلقون الشعر جمع حالق . الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إن الباب الأول فيه ذكر المناولة ، وهي تكون في مجلس العلم ، وهذا الباب في بيان شأن من يأتي إلى المجلس كيف يقعد ، والمراد منه مجلس العلم ، وقال بعضهم : مناسبة هذا الباب لكتاب العلم من جهة أن المراد بالحلقة : حلقة العلم ، فيدخل في آداب الطالب من هذا الوجه . قلت : هذا القائل أخذ هذا من كلام الكرماني ، ومع هذا فليس هذا بيان وجه المناسبة بين البابين ، وإنما هو بيان وجه مناسبة إدخال هذا الباب في كتاب العلم ، وليس القوة إلاَّ في بيان وجوه المناسبة بين الأبواب المذكورة في كتب هذا الكتاب ، وقال الشيخ قطب الدين : هذا الباب حقه أن يأتي عقب باب : من رفع صوته بالعلم ، أو عقب باب : طرح المسألة ، لأن كليهما من آداب العالم ، وهذا الباب من آداب المتعلم ، وما بعد هذا الباب يناسب الباب الذي قبله ، وهو قوله : باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( رب مبلَّغٍ أوعى من سامع ) . لأن فيه معنى التحمل عن غير العارف ، وغير الفقيه . قلت : الذي ذكرناه أنسب لأن الباب السابق في بيان مناولة العالم في مجلس علمه ، وهذا الباب في بيان أدب من يحضر هذا المجلس ، كما ذكرنا . 66 حدّثنا إسْماعِيلُ قال : حدَّثني مَالِكٌ عن إسْحاقَ بن عبدِ اللَّه أبي طَلْحَةَ أنّ أبا مُرَّة ، مَوْلَى عَقِيلِ بنِ أبي طَالِبٍ ، أخْبَرَهُ عنْ أبي واقِدٍ اللَّيثَّي أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بَينَمَا هُو جالِسٌ في المَسْجِدِ والناس مَعَهُ إِذ أَقَبَلَ ثَلاَثةُ نَفَرٍ ، فأقْبَلَ اثْنانِ إِلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وذَهَبَ واحِدٌ ، قال : فَوَقَفا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فأمّا أحدُهمُا فَرَأى فُرْجَةً في الحَلقَةِ فَجَلَس فيها ، وأمّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلفَهُم ، وأمّا الثالِثُ فأدْبَرَ ذاهِباً . فلمَّا فَرَغَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أَلا أُخُبِرُكُمْ عن النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ ؟ أمّا أحدُهُمْ فَأَوَى إلى الله فآوَاهُ الله ، وأمّا الآخَرُ فاستَحْيا فاسْتحيْا الله مِنُه ، وأمّا الآخَرُ فأعْرَضَ فأَعْرَضَ الله عنه ) . ( الحديث 66 طرفه في 474 ) . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ، لأن الترجمة فيمن قعد حيث ينتهي به المجلس ، وفيمن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها